الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
189
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
إلى المغمس فلما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له وأمره بالغارة على الناس فمضى حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل تهامة وغيرهم فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم وهو يومئذ كبير قريش وسيدها وفي المواهب اللدنية فاستاق إبل قريش وغنمها وكان لعبد المطلب فيها أربعمائة ناقة فركب عبد المطلب في قريش حتى طلع جبل ثبير فاستدارت دائرة غرّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على جبينه كالهلال واشتدّ شعاعها على البيت الحرام مثل السراج فلما نظر عبد المطلب إلى ذلك قال يا معشر قريش ارجعوا فقد كفيتم هذا الامر فو اللّه ما استدار هذا النور منى الا أن يكون الظفر لنا فرجعوا متفرّقين وهمّ أهل الحرم بقتاله ثم عرفوا ان لا طاقة لهم به فتركوه * وفي سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم لقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم ثم قل له ان الملك يقول انى لم آت لحربكم انما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم فان هو لم يرد حربي فأتني به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبد المطلب بن هاشم فجاءه فقال له ما أمر به أبرهة فقال له عبد المطلب واللّه ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة فقال له حناطة فانطلق إليه فإنه أمرني أن آتيه بك * وفي المواهب اللدنية روى أن رسول أبرهة لما دخل إلى مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع وتلجلج لسانه وخرّ مغشيا عليه فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه فلما أفاق خرّ ساجدا لعبد المطلب وقال أشهد انك سيد قريش * قال ابن إسحاق ثم انطلق مع حناطة عبد المطلب ومعه بعض بنيه فكلم أنيس سائس الفيل أبرهة فقال أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عين مكة وهو يطعم الناس في السهل والوحوش والطيور في رؤوس الجبال قال فأذن له أبرهة وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم فلما رآه أبرهة عظم في عينه فأجله وأكرمه عن أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سريرة لمكة فنزل أبرهة عن سريره وجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جنبه ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك فقال له ذلك الترجمان فقال حاجتي أن يردّ علىّ الملك مائتي بعير لي أصابها فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه قل له كنت أعجبتنى حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه قال عبد المطلب أنا رب الإبل وان للبيت ربا سيمنعه قال ما كان ليمتنع منى قال أنت وذاك وكان فيما يزعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة يعمر بن تبالة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد بنى بكر وخويلد بن واثلة الهذلي وهو يومئذ سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم فاللّه أعلم أكان ذلك أم لا * وفي المواهب اللدنية روى أنه لما حضر عبد المطلب عند أبرهة أمر سائس فيله الأبيض العظيم الذي كان لا يسجد للملك أبرهة كما تسجد سائر الفيلة أن يحضره بين يديه فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب برك كما يبرك البعير وخرّ ساجدا وأنطق اللّه الفيل فقال السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب في ظاهر قوله فاستدارت غرة نور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على جبين عبد المطلب كالهلال إلى آخره وقوله أنطق اللّه الفيل فقال السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب نظر لان عبد اللّه حينئذ كان موجودا فيكون النور منتقلا إليه وفي سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق فردّ أبرهة على عبد المطلب الإبل التي أصاب له فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرّز في شعف